السيد محمد حسين فضل الله

141

من وحي القرآن

أعين الناس ومحاولة الإضلال بالأساليب التي تساهم في تحقيق الضلال ، بإرادة الإنسان واختياره ، أمّا السيطرة عليه بالمستوى الذي لا يستطيع معه الوقوف أمامه ، ولا يملك إلا الرضوخ لسلطانه ، فهذا ما نفاه القرآن في أكثر من آية إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ [ الحجر : 42 ] . فإننا نجد في الآية نفيا مطلقا لسلطان الشيطان على الإنسان إلا من خلال الوسائل العادية التي لا تلغي عنصر الاختيار الذي تتحرك في داخله المسؤولية . . . فإذا لم يكن للشيطان سلطان تكويني على نقل الإنسان من قناعة إلى قناعة مضادّة في موضوع الكفر والإيمان والخير والشرّ ، فكيف يكون له سلطان على إلغاء عقل الإنسان بالكلية من خلال وسائل غير منظورة لا يملك الإنسان أمامها القدرة على المقاومة . إن القضية ليست قضية عدالة الموضوع وعدم عدالته ، بل هي قضية دور الشيطان في حياة الإنسان من خلال حكمة وجوده في الأرض ، مما يوحي لنا بأنه لا يملك أيّ دور آخر تجاه الإنسان . وهناك نقطة أخرى لا بد لنا من إثارتها في هذا المجال ، وهي أن ذلك قد يتنافى مع الجوّ الذي أراد اللَّه أن يثيره في صراع الإنسان مع الشيطان ، وهو الإيحاء بكرامة الإنسان من خلال أمره للشيطان بالسجود لآدم ، وجعله خليفة اللَّه في الأرض ، مما يوجب أن لا يجعله تحت رحمته في أقدس شيء وهبه اللَّه له وميزه به على مخلوقاته الأخرى وهو العقل ، لأن ذلك يجعله ألعوبة في يده يعبث به كيف يشاء من خلال الوسائل الخفية التي يملكها ضد الإنسان . . . أمّا تسليطه على إضلاله بالوسوسة وأمثالها ، فإنها تؤكد جانب الكرامة فيه ولا تنفيها ، وذلك من خلال ثقة اللَّه بالإنسان ، بما زوّده به من العقل وأرسله إليه من رسل ، وفي ما أنزله عليه من كتب ورسالات ، بأنه يستطيع الانتصار على الشيطان باستعمال هذه الوسائل ، ليبلغ بذلك الدرجات التي تعلو درجات الملائكة في ما وردت به الأحاديث الشريفة . . . إن اللَّه